ابن الفارض
30
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
ووصاله عاد التميّز والتبصّر وزوال الدهش والتحيّر ، وهذا كما خرج يوسف عليه السلام بغتة على النّسوة فقطعن أيديهن لمّا أضاء لهنّ [ 29 / ق ] من الحيرة في شهود جماله والغيبة عن أوصافهن ، كما قيل : غابت صفات القاطعات أكفّها في شاهد هو في البرية أبدع ، ولا شك أن زليخة كانت أبلغ في محبّته منهنّ ، لكنها لم تغب عن التمييز بشهود جماله ، لتمكن حال الشهود في قلبها ، وأشار إلى الحالة قوله - رحمه اللّه - : وقد أشهدتني حسنها فشدهت « 1 » عن * حجابي فلم أثبت حلاي لدهشتي وإفادة السكر محو الحدث ، لأنه نتيجة مشاهدة جمال القدم ونور القديم يزيل ظلمة الحدث ، إلا أن حال الشهود لا يدوم في البداية ، بل يلوح ويخفى سريعا كالبوارق ، فلا يزيل نوره ظلمة وجود السّيّار بالكلية ، بل يزول تارة ويعود أخرى ، ويزداد السائرين بين الصحو الأوّل المثبت للحدث ، والسكر الماحي له ، وتسمّى هذه الحالة تلوينا ، فإذا استقرّ حال المشاهدة دام محو الحدث وإثبات القدم ، وتسمّى هذه الحالة تمكينا لدوام الوجدان ، وصاحب السكر لا يدوم وجدانه بل يوجد تارة ويفقد أخرى ، ويكون مأسورا تحت تصرف التلوين ومناط تلوينه الوجود الذاتي [ 30 / ق ] هو مثار الصحو الأول ، فلذلك سوّى الناظم - رحمه اللّه - بينه وبين الصاحي بقوله : تساوى النشاوى والصحاة * وإلا فأين الصحو من السكر « 2 » لأنه حال شريف ، والصحو من جملة الأحوال ، ولأنه بمحو الوجود والصحو يثبته ، والسالك لا يستغني عن السكر ما لم يتخلص عن الصحو الأوّل ، فإذا خلص عن الصحو الثاني صار غنيّا عن السكر ؛ كما قال : ومن إفاقتي سكرا غنيت إفاقه وربما يختلج بعض الضمائر أن كلام الناظم - رحمه اللّه تعالى - في نحو قوله : فعندي لسكري فاقة لإفاقة شعر بحال سكره وهو يدري الصحو الثاني لنفسه في قوله : خرت صحو الجمع
--> ( 1 ) فدهشت : من شده الرجل شدها فهو مشدوه ، دهش ، والاسم ( الشّده ) . ( مختار الصحاح ص 332 ) . ( 2 ) وهناك رواية أخرى لنعتهم : برسم حضور أو بوسم حظيرة .